مرتضى الزبيدي

182

تاج العروس

يكون ماضياً أَوْ مضارعاً ، المُتَصَرِّفِ ، فلا تَدخل على فِعْلٍ جامدٍ ، وأَما قولُ الشاعر : لَوْلاَ الحَيَاءُ وأَنَّ رَأْسِيَ قَدْ عَسَى * فِيهِ المَشِيبُ لَزُرْتُ أُمَّ القَاسِمِ ( 1 ) فعَسَى فيه ليست الجامِدَة ، بل هي فِعْلٌ متصرِّفٌ معناه اشتَدَّ وظهرَ وانتَشَر ، كما سيأْتي ، الخَبَرِيِّ ، خرجَ بذلك الأَمرُ ، فإِنه إِنشاءٌ ، فلا تَدخل عليه ، المُثَبَتِ ، اشترطه الجماهيرُ ، المُجَرَّدِ مِن جَازِمٍ وناصِبٍ ، وحَرْفِ تَنْفِيسٍ قال شيخُنا : هذه كلُّها شُرُوطٌ في دُخولها على المضارِع ، لأَن غالِبَ النواصبِ والجوازم تَقتضي الاستقبالَ المَحْضَ ، وكذلك حَرْفَا التنفيسِ قد موضوعة للحال كما بُيّن في المُطَوَّلات . ولها سِتَّةُ مَعَانٍ ( 2 ) : الأَوّل التَّوَقُّعُ ، أَي كون الفِعْل مُنْتَظَراً مُتَوَقَّعاً ، فتَدخل على الماضي والمضارع . نحو قد يَقْدَمُ الغائبُ ، فتدُلّ على أَن قُدومَ الغائب منتظَرٌ ، وقد أَحْجَف المُصنِّف فلم يأْتِ بمثالِ الماضي ، بناءً على زَعْمِه أَنَّهَا لا تكون للتوقُّعِ مع الماضي ، لأَن التوقُّعَ هو انتظارُ الوُقُوعِ ، والماضي قد وَقَعَ ، وقد ذَهَبَ إِلى هذا القولِ جماعَةٌ من النُّحاةِ ، وقال الذين أَثبتوه : معنَى التوقُّعِ مع الماضي أَنها تَدُلُّ على أَنه كان مُنْتَظَراً ، تقول : قد رَكِبَ الأَميرُ . لِقومٍ كانوا يَنتظرون هذا الخبر ويَتوقَّعُون ثُبوتَ الفِعْل ، كما قاله ابنُ هِشام ( 3 ) . الثاني تَقْرِيبُ الماضِي مِن الحَالِ ، وهو مُقْتَضَى كلامِ الشيخِ ابنِ مالك أَنها مع الماضي تُفِيد التقريبَ ، كما جزمَ به ابنُ عُصفورٍ ، وأَن من شَرْطِ دُخولِها كَوْنَ الفِعْل مُتَوقَّعاً ، نحو قد قام زَيْدٌ ، وقال أَبو حيّان في شرْح التَّسهيل : لا يَتحقَّق التَّوقُّع في قَدْ ، مع دخوله على الماضي ، لأَنه لا يُتَوَقَّع إِلا المُنتَظَرُ ، وهذا قد وَقعَ ، وأَنكرَه ابنُ هِشامٍ في المُغنِي فقال : والذي يَظهر لي قولٌ ثالِثٌ ( 4 ) ، وهو أَنها لا تُفيد التَّوقُّعَ أَصْلاً ، فراجِعْه ، قال شيخنا : والذي تَلقَّيْنَاه من أَفواهِ الشيوخِ بالأَندَلس أَنها حَرْفُ تَحقيقٍ إِذا دخلَتْ على الماضِي ، وحرْفُ تَوقُّعٍ إِذا دخلَتْ على المستقبَل ، وأَقَّره صاحب هَمْع الهوامِع ، وعليه مُعْتَمَدُ الشيوخ الثالث التَّحْقِيقُ ، وذلك إِذا دخلَتْ على الماضي ، كما ذُكر قريباً ، نحو قوله تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ( 5 ) وزاد ابنُ هِشَام في المغني : وعلى المضارع ، كقوله تعالى قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ( 6 ) الرابع النَّفْيُ ( 7 ) ، فِي اللسان نقلاً عن ابنِ سيدَه : وتكون قَدْ بمنزلةِ ما ، فيُنْفَى بها ، سُمِعَ بعض الفصحاءِ يقول قد كُنْتَ فِي خَيْرٍ فَتَعْرِفَه ، بنصب تَعْرِف ، قال في المغني : وهذا غرِيبٌ ، وإِليه أَشار في التسهيل بقوله : ورُبَّمَا نُفِعَ بقد فنُصِب الجوابُ بعدها . الخامس التَّقْلِيل ، ذكره الجماهيرُ ، وأَنْكره جماعةٌ ، قال في المغنى : هو ضَرْبَانِ : تَقلِيلُ وُقُوعِ الفعلِ ، نحو قَدْ يَصْدُق الكَذُوبُ وقد يَجُودُ البَخيلُ ، وتَقْلِيلُ مُتَعَلَّقِةِ ( 8 ) نحو [ قوله تعالى ] : قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْه أَي ما هو عليه هو أَقلُّ معلوماتِه ، قال شيخنا ( 9 ) : وزعمَ بعضُهم أَنها في هذه الأَمثلة ونحوِها للتحقيق ، وأَن التقليلَ في المِثَالينِ الأَوّلينِ لم يُسْتَفَدْ مِن قَدْ ، بل من قولِكَ : البخيل يجود ، والكذوب يصدق ، فإِنه إِن لم يُحْمَل على أَنّ صُدُورَ ذلك منهما قليلٌ كان فاسداً ، إِذ آخِرُ الكلامِ يُناقِض أَوَّلَه . السادس التَّكْثِيرُ ، في اللسان : وتكون قَدْ مع الأَفعال الآتِيَةِ بمنْزِلَة رُبَّما قال الهذليُّ : قَدْ أَتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أَنامِله * كَأَنَّ أَثْوَابَهُ مُجَّتْ بِفِرْصَادِ ( 10 )

--> ( 1 ) البيت لعدي بن الرقاع ( المغني ص 229 ) . ( 2 ) في المغني : ولها خمسة معان . ( 3 ) وفي المغني أيضا ص 228 : ومنه قول المؤذن : قد قامت الصلاة لأن الجماعة منتظرون لذلك . . . وفي التنزيل : ( قد سمع الله قول التي تجادلك ) . قال ابن هشام : وأنكر بعضهم كونها للتوقع مع الماضي ، وقال : التوقع انتظار الوقوع ، والماضي قد وقع . ( 4 ) القول الأول : الذين أثبتوا ل " قد " معنى التوقع مع الماضي ، والقول الثاني : الذين أنكروا ذلك . انظر المغني ص 228 . ( 5 ) سورة الشمس الآية 9 . ( 6 ) سورة النور الآية 64 . ( 7 ) ابن هشام ينكر هذا المعنى ، ولم يعتبره ولذلك قال : إن ل " قد " خمسة معان ، انظر ما لاحظنا ، قريبا . ( 8 ) في المطبوعة الكويتية : متعلقة تحريف . ( 9 ) بهامش المطبوعة المصرية : " قوله قال شيخنا : وزعم الخ هذه العبارة إلى آخرها هي بقية كلام المغني ، فكان الأولى اسقاط قوله : قال شيخنا " انظر المغني ص 231 . ( 10 ) صدره في المغني ، ونسب للهذلي ، وبهامشه قال محققه : نسب في حاشية سيبويه 2 / 307 لشماس الهذلي .